بيان الحاكم الأكبر العالمي للشرق العربي الأعظم، بمناسبة اليوبيل الماسي للمحفل
«خمسة وسبعون عامًا من النور: حجر الزاوية في المشرق»
إخوتي وأخواتي الأعزاء، أبناء وبنات النور، وحملة الرسالة المباركة،
خمسة وسبعون عامًا انقضت كما الموج حين يطوي صفحة البحر، لكنها تركت نقشها العميق في صخر الزمن. وما نحتفي به اليوم ليس مجرّد ذكرى عابرة، بل عودة واعية إلى نقطة البدء، إلى الجذور التي منها انطلقت روح المشرق لتشيّد معنى الإنسان ومعنى الحرية.
هنا، في هذا المشرق الذي لم يكن يومًا جغرافيا فحسب بل قدرًا محتومًا، وُلد النور الأول، وهنا وُلدت «الأخوّة الحرّة» قبل أن تعبر البحار لتسطع على العالم بأسره.
ومنذ أن انتمينا إلى هذه الأخوّة، حملنا معنا إرثًا لا يُصنع باليد بل يُصاغ بالروح: إرث بناء الإنسان. تتعاقب الأجيال، وتبقى الشعلة التي أوقدها أسلافنا — من فلاسفة عصر النهضة إلى روّاد الثورة الفرنسية — حاضرة كمصدر إلهام لا يخبو.
تلك الثورة التي أعادت رسم خريطة أوروبا، ثم امتدّ ظلّها إلى الأمريكيتين، لم تكن سوى ولادة شرارة انطلقت من روح حرّة. ومن هذه الأخوّة نفسها قامت الإمبراطورية البريطانية التي لم تغب عنها الشمس، ثم الولايات المتحدة التي بلغت اليوم قلب الفضاء.
لقد كانت مقولة الأخوّة — الحرية، المساواة، الأخوّة — دستورًا للروح قبل أن تكون شعارًا للقول؛ وهي جوهر أخوّة أرادت الخير لكل إنسان.
وما أكثر ما شهد المشرق، في العقود الأخيرة، ازدهارًا وجمالًا وارتقاءً في الفنون والسياسة والاقتصاد، حين ساهم أبناؤه في بناء حضارة لم تستطع الحدود ولا الخرائط احتواءها.
غير أن أكثر ما آلم القلب العربي كان أن يرى الماسونية — التي تفتّحت براعمها أولًا على ربى هذا المشرق — تتحوّل عنه لتشرق في الغرب.
ذاك الغرب الذي حمل مشعلها، ووسّع آفاقها، وجعلها منارة واسعة للحريات والمعارف الإنسانية.
ومنذ مؤتمر سنة 1717، ثم دستور أندرسون لعام 1723 الذي أعاد بنجامين فرانكلين نشره بعد عقد، راحت الأخوّة تمد جذورها في أنحاء العالم.
وقد تابع العرب، وخصوصًا اللبنانيين، هذا الامتداد بفخر، لكن ممزوجًا بشيء من الأسى، لأن ما وُلد من أرضنا عاد إلينا من بعيد، كأننا صرنا غرباء عنه وهو ابن تربتنا.
ومن هنا كان قرارنا، نحن وجماعة من الإخوة، أن نعيد إلى المشرق شيئًا من أنفاسه في الماسونية.
فبعد مشاورات امتدّت عشرين عامًا مع كبار القادة الماسونيين، وبما أولتنا إيّاه الأخوّة من سلطة المعرفة، وضعنا القانون والدستور والطقوس الخاصة بالشرق العربي الأعظم المسكوني (G.O.A.O.).
وقد أدرجنا فيها رموزنا وصلواتنا وخصائص روحانيتنا، ليغدو تيارًا مشرقيًا صوفيًا فلسفيًا حيًّا وفاعلًا — يعيد إلى الماسونية ما افتقدته طويلًا: عبق تراب المشرق، ولهيب روح تبني قبل أن تُشرِّع.
وعلى هذا الطريق، وقف معنا إخوة عاشوا الماسونية حياةً وممارسة، وفي مقدّمهم الأخ المهيب جدًا ناجي أميهاز، الحاكم الأكبر للشرق العربي الأعظم المسكوني في لبنان، وإلى جانبه إخوة كثر في الولايات المتحدة وأوروبا وبريطانيا، اعترف لهم العالم بسعة المعرفة بتاريخ الأخوّة وأسرارها.
ثم بدأ العمل على إصدار الطبعة العربية من قاموس الماسونيين العرب والمسلمين الذي صدر عام 2018، تلتها عام 2019 الموسوعة الكبرى لتاريخ الماسونية في الشرق الأوسط. (اللغات: الفرنسية، الانجليزية، العربية).
وما نزال نتابع إتمام مجلداتها لكثرة الأسماء المحفوظة في ذاكرة المشرق. كما طُبعت قوانين وطقوس شرقنا لتكون مرجعًا موثّقًا للأجيال المقبلة.
واليوم، بعد خمسة وسبعين عامًا من السعي والنور والوفاء لذلك الخيط الدقيق الذي يصل الأرض بالسماء، نتوجّه إليكم بأسمى التهاني، مؤمنين بأن الرسالة التي نحملها ستظلّ ما دام المشرق شرقًا: منبعًا للنور ومنارة للإنسانية.