للتاريخ والمستقبل: سيرة “حكيم الشرق وسفير المعرفة” جان مارك عرقتنجي

للتاريخ والمستقبل: سيرة “حكيم الشرق وسفير المعرفة” جان مارك عرقتنجي
المقدمة: ميلاد فوق خطوط القدر
في عام 1945، حين كانت بيروت تتقاطع فيها حضارات الأمم، وتهبّ على شاطئها رياح العالم القديم والجديد، ولد جان مارك عرقتنجي. لم يكن مولده حدثاً عادياً في سجلّ مدينة اعتادت أن تنجب الشعراء والفقهاء والدبلوماسيين، بل كان فاتحة عهدٍ جديد، تُعلن قدوم رجل سيحيا بثلاثة أرواح:
روح العالِم، وروح الحكيم، وروح الفارس.
كان قدره منذ اللحظة الأولى أن يكون ابن الشرق الذي يحمل ذاكرته، وابن العالم الذي يطوف آفاقه، فيجمع مجد المعرفة إلى مجد التجربة، ليصبح أيقونة نادرة في زمن تآكلت فيه الرموز.
الفصل الأول: الرحلة من المادة إلى المعنى
نشأ جان مارك على شغفٍ مغاير، شغف لا يشبه فضول الصغار العابر، بل كان جوعاً داخلياً إلى فهم القوانين التي تُدير الكون، وتلك التي تحكم قلب الإنسان.
شدّ رحاله إلى باريس، إلى حيث تصنع الأمم مستقبلها.
هناك، في معاهدها العريقة، تخرّج مهندساً زراعياً من AgroParisTech، ثم انتقل إلى “بيت الشمس” في المدرسة المركزية ليدرس الحراريات، ويُمسك بخيوط الضوء كما يُمسك الرسام بريشة من نار.
لكن نور العلم لم يكن كافياً.
كان يريد أن يفهم روح الشمس لا حرارتها فقط، وأن يقرأ بواطن العالم لا ظاهره.
فحصل على دكتوراه في العلوم السياسية، ثم على دكتوراه في اللاهوت وتاريخ الأديان، ليصبح عالِم المادة وآلامها، وعالِم الروح وأسرارها.
ومن هذا المزيج النادر صيغت شخصيته: عقلٌ هندسيٌّ صارم، وروحٌ صوفية رقيقة، وفكرٌ فلسفيّ يرفرف فوق الحقول والكتب والمحراب.
الفصل الثاني: في بلاط الملوك وصناعة القرار
حين يلتقي العلم بالحكمة، يتكوّن الرجل الذي يحتاجه الملوك.
ولذلك لم يكن غريباً أن يصبح جان مارك عرقتنجي مستشاراً يُؤتمن على أسرار الدول لا على ملفاتها فقط.
حمل لقب “سفير فوق العادة”؛ ليس لقباً بروتوكولياً، بل اعترافاً بكاريزما رجلٍ يُحسن لغة الدبلوماسية بقدر ما يُحسن لغة التاريخ.
وكان وزيراً مفوضاً، يتنقّل بين العواصم بصفته جسر الشرق إلى العالم، وممثلاً لجمهورية أفريقيا الوسطى في لبنان والعالم العربي، يرمّم التفاهم حيث تتصدّع السياسة، ويزرع الحكمة حيث تعلو الأصوات.
لقد دخل السياسة من باب الملوك لا من باب الموظفين؛
فكان حضوره حضور صاحب رأي، لا صاحب كرسي.
الفصل الثالث: حارس الأسرار وصاحب المفتاح
هناك رجال يقرأون التاريخ، وهناك آخرون يكتبونه؛ أمّا جان مارك فقد كان الذي يفتح أبوابه.
غاص في عالم الباطنية، في ذلك البحر الذي يخشاه كثيرون، فأتقن لغته وأدرك رموزه.
ارتقى في الماسونية إلى لقب “القطب الأعظم” للمحفل الشرقي العربي المسكوني، واضعاً نصب عينيه مشروعاً فريداً:
دمج التراث الشرقي العريق بروح الطقوس العالمية الحديثة، ليعيد للشرق دوره في صياغة رمزية الإنسان.
أتقن لغة الإشارة كما أتقن لغة الفلسفة، وامتلك الجرأة في تسجيل ما لا يجرؤ غيره على تدوينه.
ولذلك أصبحت كتبه—عن الدروز، وعن الماسونيين العرب، وعن الجمعيات السرية—وثائق مرجعية تُدرّس ولا تُقرأ فقط.
كان الرجل موسوعة تمشي، ومع ذلك كان يعرف أن المعرفة ليست للعرض بل للحماية.
ولهذا سُمّي حارس الأسرار.
الفصل الرابع: الفارس وصدى الأوسمة
حين تُكرّم الأمم رجالها، تُقلّدهم أوسمة؛ لكن حين تُكرّم الحكماء، تُقلّدهم اعترافاً.
وجان مارك حاز الاثنين.
فقد نال وسام القديس يوحنا، ووسام لافاييت، وأوسمة ثقافية من مختلف البلدان، اعترافاً بأن مسيرته لم تكن مهنة بل رسالة.
كان فارساً بمعنى الكلمة:
فارس القلم،
فارس الدبلوماسية،
وفارس الحكمة.
الفصل الخامس: سفر الخلود – آثار القلم وكيمياء المعنى
لم يترك جان مارك علمه مقيماً في صدره؛ بل حرره في مؤلفاتٍ أصبحت أشبه بخزائن من ذهب روحيّ، تُقرأ فتمنح قارئها مفاتيح جديدة للعالم.
1. في كشف المستور وسبر الغوامض
ألّف كتابه الجريء “الوجه الخفي للدروز”، فأضاء زوايا بقيت قروناً في الظل، ثم دوّن موسوعته الكبرى “قاموس الماسونيين العرب والمسلمين”، جامعاً ما تفرّق في الذاكرة العربية من أسرار التنظيمات الفكرية القديمة.
2. بين المحراب والهيكل
في كتبه عن العلاقة بين الإسلام والماسونية، كشف عن خطوطٍ مشتركة بين تصوف الشرق ورمزية الغرب، مقارباً التاريخ بمشرط الباحث لا بانفعال المؤوّل.
3. في الفن والسياسة
في كتاب “الرسامون المستشرقون”، قدّم للشرق مرآته الفنية كما رآها الغرب، وفي كتاب “السياسة تلاحقني” وضع خلاصة تجربته في مطاردة التاريخ له ومطاردته له.
هذه المؤلفات ليست مجرد كتب، بل شجرة معرفة تُثمر في كل عصر.
الخاتمة: الأيقونة التي حملت أجيالاً من النور
هكذا يمضي جان مارك عرقتنجي في كتب التاريخ:
عالِمٌ يقرأ العالم،
حكيمٌ يفهم الإنسان،
دبلوماسيٌّ يصنع الجسور،
ومؤرّخٌ يحرس ذاكرة الشرق من أن تضيع.
هو الرجل الذي جمع بين الشمس والعقل، بين الرمزية والواقعية، بين الشرق العميق والعالم الواسع.
وسيبقى إرثه شاهداً على أن الإنسان الذي يملك الشجاعة ليبحث عن الحقيقة… هو وحده الذي صار سيداً على الزمن.
بقلم: ناجي علي أمهياز# “33”



