الماسونية في الشرق الاوسطالمحافل الماسونيةالمكتبة الماسونية

بحثاً حول “رمزية النور”. وقفتُ وقفة تأمل

الشرق الأعظم العربي الموحد (G.O.A.O)

النور

أيها الأستاذ الموقر، أخواتي وإخوتي، كلٌّ بصفته ورتبته.

طلب مني الأستاذ الأعظم أن أقدم بحثاً حول “رمزية النور”. وقفتُ وقفة تأمل، فأدركتُ ضخامة المهمة التي تنتظرني. تملكني شعور بالتواضع أمام اتساع هذا الموضوع؛ فقد تأمل فيه وتدبّره وكتب عنه الكثيرون قبلي، وغالباً ما كان ذلك بأسلوب مثير للإعجاب.
بكل تواضع، قررتُ أن أضع لبنتي الصغيرة في هذا البناء المشترك.
أقلتُ لبنة؟ بل ستكون بالتأكيد “ذرة رمل”.
ذرة رمل أرجو منكم، أخواتي وإخوتي، أن تقبلوها مني كهدية.

ولما كان الإلهام قد استعصى عليّ، ورأيتُ أن شمعة الإبداع قد انطفأت، ذهبتُ أطلب “قبس نار” من صديقي “بيرو” الذي أرسلني بدوره إلى “الجار”. أنتم تعرفون بالتأكيد تلك الأغنية الشعبية الجميلة (Au clair de la lune).
وإذا رجعنا إلى بعض المصادر، نجد أن النسخة الأصلية كانت تقول: “أعرني ضياءك” (Prête-moi ta lume) وليس “أعرني ريشتك” (ta plume). وكلمة (Lume) مشتقة من الضياء والنور، وهو بالتأكيد ما نحتاج إليه عندما تنطفئ الشمعة. فنحن بحاجة إلى “النور” لنكتب كلمة، ما دام “شمعي قد انطفأ، ولم يعد عندي نار”. والجار هو من “يقدح الزناد”، أي يشعل ناره، ليعيد إشعال الشمعة.
إذن، كيف نتحدث عن النور دون أن نتحدث عن النار؟

لقد رأى الإنسان الأول في النار، وفي النور المنبعث منها، عنصراً حيوياً وموضوعاً للتقديس والعبادة. فبعض الشعوب كانت تقيم لها الطقوس، وتعبد نار الشمس الإلهية؛ فهي موجودة في أبسط المواقد المنزلية كما في المعابد، حيث يتعهد الكهنة بصيانة الشعلة المقدسة.
إن أهمية النار والتحكم بها أمر حيوي. وكما تعلمنا الأسطورة اليونانية عن “فايتون”، ابن “هيليوس” (إله الشمس)، الذي كاد أن يحرق العالم عندما فقد السيطرة على خيول الشمس؛ فإن النار اليوم معطاة لنا للأفضل وللأسوأ أيضاً، إذا ما فكرنا في المخاطر النووية.

ومن النار ينبثق النور!
منذ أن بدأ البشر يؤمنون بما وراء هذا العالم، كان النور مصدراً لتفسيرات رمزية متنوعة.
ومنذ ذلك الحين، نُسبت إلى النور فضائل خارقة للطبيعة.
هذا النور، نور الشمس، هو الذي يضيء النهار، ويسمح لحياة البشر بأن تسير بوضوح، وبالعمل وممارسة مشاغلهم اليومية. وفي المقابل، فإن غياب النور، أي الليل، هو الفترة التي يتوقف فيها النشاط البشري وينام الإنسان ويرتاح.
النور هو الذي يمنح الشكل واللون للعالم الذي تكتشفه العيون. ومنه تستمد النباتات الطاقة اللازمة لتركيب احتياطياتها الغذائية، وبالتالي، فإن كل ما يعيش على الأرض موجود بفضل النور.
وفي معنى آخر، يسمح النور بتوضيح فكرة أو مفهوم ما، في مقابل الظلام الذي يمثل حالة الجهل؛ ألا نقول: “هل تفضلون تزويدي بنوركم (بصيرتكم) حول هذا الموضوع؟”.
يرتبط الظلام بالديجور. ولا يمكن للإنسان الخروج من الديجور دون بصيص نور، مهما كان ضئيلاً.
وكما يتضاد النهار مع الليل، يتضاد النور مع الظلام. والمعنى “الدنيوي” هنا ليس بعيداً عما تعتقده الماسونية؛ إذ يطلب المرشح للانضمام “الوصول إلى النور” عند دخوله المحفل.

فما هو موضوع هذا البحث؟

أنا أبحث عن النور.

تعلن ضربات المطرقة الانتقال من الظلام إلى النور، أو بعبارة أدق، تطلق بداية “استنارة داخلية”.

إن أحكامي المسبقة، وجهلي، وأهوائي، وأناي (الأنا)، ليست سوى حُجب تمنع هذا النور من إضاءة الإنسانية والعالم.
الأستاذ، والأخوات والإخوة يمنحونني النور. وهذا النور يسمح لي بتقوية إخلاصي الروحي، وزيادة ثقتي في قناعاتي ومعتقداتي.
كما يمنحني القدرة على أن تكون أفعالي أكثر إنصافاً واستقامة قدر الإمكان. وأخيراً، وبفضله، أقف في “الموقف الوسط” العادل تجاه البشر، وخاصة تجاه أخواتي وإخوتي.
الشمس تنظم النهار، والقمر ينظم الليل، والأستاذ ينظم المحفل، والنور ينظم “ضميري الداخلي”.
في صراع داخلي ودائم، لا يمكن لجانب الظل في كل واحد منا أن يدمر هذا النور المتجذر في العمق، والذي لا يطلب سوى الازدهار من خلال مسارنا الـ “إسراري” (Initiatique)، نحو هدف لا يُدرك أبداً لأنه يحتاج دائماً إلى بناء.

لأننا ببحثنا عن النور، نبحث عن “التنوير” (Initiation)، أي موت الإنسان الدنيوي الذي يسكننا.

“الإنسان برزخ بين النور والظلام”الرومي

في القرآن الكريم، في الآية 35 من سورة النور، يقول الله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُّورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

علمنا الله أنه نور السماوات والأرض لنستمد منه أنوارنا: لذا يجب علينا البحث عن النور في مصدره الحقيقي. هذا النور في كل مكان، ولكن مصدره في “مشكاة”، وهي قلب الإنسان. وهو محتوى في مصباح تحميه زجاجة تتلألأ كأنها نجم لامع. وهذا يرمز إلى الاتجاه الذي يجب اتباعه في الحياة. هذا النور ليس مجرداً، بل يقع في مكان محدد وهو “الإيمان”. النور يأتي من شجرة مباركة، الزيتونة، رمز النور والعطاء. وهي ليست شرقية ولا غربية؛ زيتُها عالمي. أي أنها لا تنتمي لشعب ولا لتقليد نبوي محدد، بل هي عالمية (كونية).

“نور على نور”؛ من خلال هذه الاستعارة، يدعونا الله لإدراك السرعة الخاطفة لوجوده في آنيته، والطابع النسبي للخلق.
تخبرنا هذه الآية أن الإلهي هو نور يمثل مصدر كل حياة، وأنه يسكن “القلب الروحي” للإنسان. وهكذا يحمل كل كائن بشري في داخله هذا النور، ويمتلك هذه الإمكانية، هذه القوة.
ومن خلال مساره الروحي، يمكن للإنسان اكتشافه، وفي تلك اللحظة يجسد “الإنسان الكوني” ويملاً وعيه الكون بأسره.

يقول مثل عربي: “ما فائدة ضوء الشمس، إذا كانت العينان مغلقتين”.
إنه “النور المحجوب”، الذي يجب إدراكه عبر مراحل، ويقول لنا: “أنا النور وأنتم لا ترونني”. إنه أساس كل شيء، كالمصباح في زجاجة الحقائق. ومن حالفه الحظ في القرب منه، وبعد تلقيه، عليه أن يتستر داخلياً حتى لا يُعمي نورُه بصرَ الإنسان الدنيوي.
هذا الضياء الذي يسبق شروق الشمس، يمثل بوابات حقيقية بين العوالم، كشلالات من النور، تستحق منا التوقف لحظة لنتأمل جمال عالم في حالة استيقاظ.
وهذا الحلم الذي تكرر كثيراً؛ حلم الذهاب والامتزاج بالنور والاتحاد معه. من هذا النور تولد العواطف وجمال الروح، لتضيء الجمال الأسمى الكامن فينا.
عندما أسير في مكان مظلم دون أي ضوء، يكفيني أن أرفع رأسي، وأنظر إلى القمر، وبفضل النور الذي يعكسه، أستطيع أن أجد طريقي.
في عالم من الظلمات، هذا النور يرشدني ويساعدني في العثور على طريق “الحقيقة”.
سواء علمنا ذلك أم جهلناه، قبلناه أم رفضناه، عرفناه أم غضضنا الطرف عنه، لا يهم؛ فنحن، وبشكل لا مفر منه، نُقاد نحو النور.
البشر الباحثون عن النور، يشبهون الفراشات الثلاث في الحكاية الصوفية*: التي تقول إن ثلاث فراشات وقفن أمام لهب شمعة. اقتربت الأولى وقالت: “أنا رأيت النور”. وجاءت الثانية فلامست اللهب بجناحيها وقالت: “أنا عرفتُ احتراق النور”. أما الثالثة، فرمت بنفسها في قلب اللهب فاحترقت وفنيت؛ هي وحدها من عرفت الحب الحقيقي. فالسالك الذي يطمح للنور، لكي يحصل عليه، يجب أن يمتلك الشجاعة ليحترق مثلما ترمي الفراشة بنفسها في قلب اللهب؛ يجب أن يرمي بنفسه في الشمس ويفنى. لكي نخرج “الأنا” من الظلام، يجب أن يحترق داخلنا. فعندما تشتعل “الأنا”، يولد النور. فوق محيط من النور تلمع آخر الجمرات التي يحاول كل واحد الوصول إليها ليعرف “السر” في النهاية.

يدعوني الشاعر والمتصوف “الحلاج”، ويدعوكم، لمواصلة تأملنا وتدبرنا، ويقدم لنا خيطاً:
“لأنوارِ نورِ النورِ في الخلقِ أنوارُ.. وللسرِّ في سرِّ السرائرِ أسرارُ”.

أواصل مساري…

لقد قلتُ!
محفل جبران خليل جبران الموقر – شرق باريس


المصادر:

  • الطقوس والتعاليم في الطقس المسكوني. جان مارك عرقتنجي/جيل لو باب.

  • الماسونية موضحة للمنتسبين – المتدرج – إيرين مانغي.

  • دراسة عن الإسلام والماسونية. عبد الرزاق يحيى.

  • تفسير آية النور، ملا صدرا الشيرازي.

  • الإنسان الداخلي في ضوء القرآن. الشيخ بن تونس.

  • جلال الدين الرومي.

  • (القرآن الكريم، سورة النور، الآية 35).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى