الماسونية في الشرق الاوسطالمكتبة الماسونية

ميتران والمحافل: الجمهورية في الواجهة، والماسونية في الخلفية،

فرنسوا ميتران… رسالة غير مباشرة إلى ساسة لبنان
بقلم: ناجي علي أمهز
ميتران والمحافل: الجمهورية في الواجهة، والماسونية في الخلفية،
وصلني هذا المقال من أحد كبار المحفل الأكبر في فرنسا، وهو من بين الشخصيات العشر الأبرز في الماسونية العالمية. لا أضعه بدافع الترويج، بل بدافع الإضاءة، أمام الساسة اللبنانيين وكل من يظن أنه يمارس السياسة في هذا البلد. فكثيرون يسألون اليوم: ماذا تغيّر؟ ولماذا لم يعد لبنان “سويسرا الشرق”؟

كان لبنان “سويسرا الشرق” يوم كانت نخبته السياسية منفتحة على العالم، مطّلعة على مراكز القرار، ومتصلة بشبكات النفوذ الدولية، لا معزولة في مقاهٍ أو خطابات شعبوية أو تحليلات تقتات على الإشاعة. يومها، لم تكن السياسة تُدار بعقلية محلية ضيقة، بل بفهمٍ عميق لتوازنات العالم الخفي والظاهر معًا.

وكذلك كانت مصر التي تدين بريطانيا المال بينما اليوم تعيش على المعونات، وكذلك سوريا عندما كان المسيحي وزير اوقافها الإسلامية، بينما اليوم هم اهل ذمة واقلياتها ينتظرون الموت، كما كان العراق عبد الكريم قاسم الذي أسس منظمة OPEC “النفط” التي تعتبر القوة الأقوى عالميا، نعم هل نكمل لا يستع المجال واصلا الفرق واضح حتى “للأعمى بين الامس واليوم”

التاريخ اللبناني الحديث لا يمكن فصله عن دور شخصيات لبنانية كانت جزءًا من هذه الدوائر العالمية. رؤساء جمهورية وحكومات ومجالس نيابية كانوا معروفين بعلاقاتهم الواسعة، وكان لهم وزن واحترام في العواصم الكبرى. لذلك لم يكن غريبًا أن يحظى لبنان، رغم صغره، بمكانة تفوق حجمه.
العالم، للأسف، لا يُدار كما يظن كثيرون من أصحاب القرار اليوم. السياسة ليست فقط خطابات ولا شعبويات ولا “تحليلات” تُصنع على قياس الجمهور. إنها معرفة، تراكم، واطلاع دائم على ما يجري خلف الأبواب التي لا تُفتح للغافلين.

كما أن الطقوس تسبق الدخول إلى الصلاة، كذلك المعرفة تسبق الدخول إلى السياسة. من لا يعرف كيف يُدار العالم، ولا يسمع إلا صدى صوته، ويبقى خارج التاريخ، مهما علا مركزه.

لبنان لم يسقط لأنه صغير، بل لأنه تخلّى عن نخبته، واستبدل المعرفة بالعزلة، والعقل بالضجيج.

ميتران والمحافل: الجمهورية في الواجهة، والماسونية في الخلفية

الفقرة الأولى (المقدمة):
تمر اليوم، الثامن من يناير 2026، ثلاثون سنة على رحيل فرانسوا ميتران، الملقب بـ “أبو الهول”. لا يزال طيفه يخيم على تاريخ الجمهورية الخامسة. ومن بين الألغاز التي أحاطت بشخصيته، تبرز علاقته المعقدة والمتشابكة مع الماسونية كواحدة من أكثر القضايا إثارة للبحث. فبينما لم يُنصَّب ميتران “بناءً” (ماسونياً) قط، إلا أن فترتيه الرئاسيتين شهدتا حضوراً ماسونياً في أروقة الحكم لم يسبق له مثيل في تاريخ فرنسا المعاصر.

الفقرة الثانية (الجاذبية الفكرية):
لم يكن فرانسوا ميتران ماسونياً بالمعنى الطقسي، لكنه كان “ماسونياً بلا مئزر” من حيث الفكر والبيئة. لقد انجذب ميتران إلى الماسونية لسببين جوهريين: ميله الطبيعي للسرية والرمزية، وحاجته الاستراتيجية لشبكة نفوذ قوية تدعم مشروعه الاشتراكي وتضمن استقرار الجمهورية العلمانية. لقد كان ميتران يرى في المحافل، وخاصة “الشرق الأعظم لفرنسا” (Grand Orient de France)، خزاناً للأفكار وحصناً للقيم الجمهورية التي سعى لترسيخها في المجتمع الفرنسي.

الفقرة الثالثة (الماسونية في قلب السلطة):
منذ وصوله إلى قصر الإليزيه في عام 1981، أحاط ميتران نفسه بشخصيات ماسونية بارزة تبوأت مناصب سيادية. لم يكن هذا الأمر وليد الصدفة، بل كان خياراً واعياً لدمج النخب الفكرية الماسونية في بناء “فرنسا الجديدة”. أسماء مثل “روجيه ليريه” (الأستاذ الأعظم السابق للشرق الأعظم) و”فريد زيلر” شكلوا “خيطاً خفياً” يربط بين القرارات السياسية الكبرى والقيم الماسونية القائمة على الحرية والمساواة والإخاء. لقد كانت الماسونية في عهد ميتران هي “المختبر” الحقيقي الذي صِيغت فيه القوانين الاجتماعية الكبرى، من إلغاء عقوبة الإعدام إلى تعزيز الحريات العامة.

الفقرة الرابعة (العمارة والرمزية):
لا يمكن الحديث عن ميتران والماسونية دون التطرق إلى “المشاريع الكبرى” (Grands Travaux) التي غيرت وجه باريس. يرى العديد من المحللين في هذه الصروح تجسيداً لـ “هندسة مقدسة” مستوحاة من الرموز الماسونية: هرم اللوفر الذي يُنظر إليه كرمز للارتقاء والمعرفة، وقوس “لاديفانس” الذي يمثل البوابة نحو المستقبل، والمكتبة الوطنية بصروحها التي تشبه الكتب المفتوحة. كان ميتران يترك بصمات رمزية في الحجر، لتكون شاهداً على رؤيته الكونية التي تتجاوز الزمن السياسي القصير.

الفقرة الخامسة (العلمانية والتحالف العقدي):
شكلت “العلمانية” (Laïcité) نقطة الالتقاء الأقوى بين ميتران والمحافل الماسونية. ففي مواجهة الضغوط المحافظة، وجد ميتران في الماسونيين حلفاء شرسين للدفاع عن مدرسة الجمهورية وفصل الدين عن الدولة. كانت هذه المعركة هي “العمود الفقري” الذي استند إليه تحالفه مع الشرق الأعظم، حيث كان يُنظر إلى المحفل كحارس للهيكل الجمهوري ضد كل أشكال الهيمنة الدينية.

الفقرة السادسة (الخاتمة):
بعد ثلاثين عاماً، يبقى فرانسوا ميتران شخصية عصية على التصنيف النهائي. لقد عرف كيف يستخدم الماسونية دون أن يسجن نفسه فيها، وكيف يمنحها صوتاً مسموعاً في الدولة دون أن تفقد هي طابعها السري. إن قصة ميتران والمحافل هي تداخل فريد للسياسة بالفلسفة، والمصلحة بالقيم. لقد كانت “الجمهورية في الواجهة” تسير وفق الدستور، بينما كانت “الماسونية في الخلفية” تعمل كبوصلة أخلاقية وفكرية لرئيس عرف كيف يجمع بين المتناقضات ليصنع أسطورته الخاصة.
______________
هذه هي الترجمة الكاملة والفقرة بفقرتها للمقال المنشور في 450. اف ام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى